بغداد – نجلاء الطائي
تنطوي إقالة وزير المالية العراقي هوشيار زيباري الأسبوع الماضي بسحب الثقة عنه في مجلس النواب، على خطر تأخر الحصول على مليارات الدولارات لدعم الميزانية الذي تشتد الحاجة إليه والمقدم من مقرضين دوليين ومستثمرين.فقد أقال البرلمان زيباري المسؤول الكردي البارز الذي شغل من قبل منصب وزير الخارجية لأكثر من عشر سنوات بعد استجوابه في مزاعم فساد وإساءة استغلال الأموال العامة. ولكن زيباري نفى التهم، ووصف الإجراء بأنه "انتقامي وذو دوافع سياسية" متهما رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتدبير إقالته في مسعى للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي.
ويتزامن الصراع السياسي مع مصاعب يواجها العراق العضو في منظمة "أوبك" في سد العجز الناجم عن انهيار أسعار النفط العالمية. ولهذا تعاني حكومة العبادي من فراغ جديد في ظل عدم وجود وزير دفاع ولا وزير داخلية في الوقت الذي تستعد فيه لأكبر معاركها حتى الآن لاستعادة الأراضي التي انتزعها تنظيم "داعش" حيث من المتوقع شن هجوم تدعمه الولايات المتحدة على معقل التنظيم في الموصل خلال الأشهر المقبلة.
ولتعويض فاقد إيرادات النفط ، لجأ العراق إلى صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة قروض ستشجع المقرضين الآخرين على تقديم الدعم أيضا. ووافق صندوق النقد على قرض تحت الطلب مدته ثلاث سنوات بقيمة 5.34 مليار دولار في يوليو/ تموز الماضي مقابل حزمة إصلاحات اقتصادية. وتأمل بغداد في أن يفرج ذلك عن مساعدات إضافية بأكثر من 12 مليار دولار من مصادر مثل البنك الدولي ومجموعة الدول السبع.
لكن في غياب زيباري الذي يتقن الإنجليزية ويحظى بتقدير في العواصم العالمية، تفقد بغداد الشخص الأقرب إلى تفاصيل الصفقة. ووصف كريستيان جوتش مدير بعثة صندوق النقد في العراق زيباري بأنه "بطل" اتفاق القرض.
وقال لرويترز "كان محرِّكًا كبيرًا للإصلاح، والآن لا ندري من سيحل مكانه." وأضاف أن المفاوضات ستستمر مع من سيخلف زيباري فور تعيينه، مشيرًا الى أن "لصندوق النقد برامج مع الدول لا الأفراد."
وكانت شريحة أولية قيمتها 640 مليون دولار قد صرفت في يوليو/ تموز الماضي، لكن الشريحة التالية المساوية تتوقف على مراجعة أولى قد تجري بحلول منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، لكن قد تتأجل الى حين انتهاء العراق من ترتيب الأوضاع.
وقال جوتش إن مراجعة مسودة الميزانية التي قدمها العراق إلى صندوق النقد الشهر الماضي شرط أساسي. وأضاف: "إنها باهظة التكلفة أكثر من اللازم ولا تتماشى مع الالتزامات المنصوص عليها في ترتيب القرض.. وينبغي أن نتفق بشأن ميزانية 2017."
وتابع جوتش أنه يتوقع تحديثًا من العراقيين خلال الاجتماع الدوري لصندوق النقد في واشنطن أوائل الشهر المقبل. وكانت الحكومة قالت أمس الثلاثاء إنها ستخفض الإنفاق في 2017 إلى 90.22 تريليون دينار عراقي (77.51 مليار دولار).
يقول دبلوماسي غربي في بغداد يتابع عن كثب الشأن الاقتصادي العراقي إن اجتماع صندوق النقد سيكون "نقطة مفصلية". وأضاف متسائلا "هل يستطيعون إعادة ترتيب أوضاعهم وإنجاز الأمور بحلول ذلك الوقت؟ لو كان لي أن أضع رهانا لقلت إنه سيحدث تأجيل على الأقل لكن الأرجح ألا يزيد على ذلك."
وقال الدبلوماسي إن تغيير الوزراء في منتصف برنامج لصندوق النقد ليس بالضرورة عقبة كبيرة في حد ذاته، لكن سريان اتفاق العراق بدأ للتو، وكان زيباري نفسه المحرك لإصلاحات عديدة. وتابع "إذا كانوا يكابدون الأمرين للقيام بذلك (تطبيق الإصلاحات) بالفعل ثم تطيح بزيباري الذي كان داعما رئيسيا لكثير من هذا، فمن الطبيعي أن يتأخر الأمر."
وتقول بغداد أيضا إنها ستعزِّز أوضاعها المالية عن طريق بيع سندات بمليار دولار مضمونة بالكامل من الولايات المتحدة وسندات دولية بمليار دولار في الربع الأخير من 2016.
فقد أعلن مصدر مطلع أنه "بمغادرة هوشيار أصبح كل شيء معلقا في الهواء." لكن المستثمرين المحتملين مازالوا متفائلين. وقال كان نازلي كبير اقتصادي ديون الأسواق الناشئة لدى "نيوبرغر بيرمان" في لاهاي إن العراق أصبح في وضع يؤهله لإصدار سندات حتى إذا تأخر اتفاق صندوق النقد لأن هيكل الإصلاح قائم بالفعل وإنتاج النفط تعزز هذا العام.
وقال نازلي "سيكونون في وضع يؤهلهم للذهاب إلى المستثمرين وتقديم ميزانية كي يسدوا فجوة التمويل، ثم يتجهون إلى السوق لتغطية الفرق." وتوقع أن يكون عائد السندات أقل من عشرة في المئة مقارنة مع الأحد عشر في المئة التي طلبها المستثمرون خلال جولة ترويجية قامت بها الحكومة العام الماضي، وهو ما رأت بغداد أنه مغالى فيه.
وتحوز شركته بعضا من آخر السندات الدولية التي باعها العراق في 2006 عندما أصدر ما قيمته نحو 2.7 مليار دولار تستحق في 2028 بكوبون 5.8 بالمئة. وتتوقع مجموعة "أوراسيا" لاستشارات المخاطر السياسية أن يكون لإقالة زيباري أثر سلبي قصير الأجل لكن صندوق النقد سيظل ملتزمًا باتفاق القرض.
وقالت في مذكرة بحثية "المجتمع الدولي مازال معنيا بدعم رئيس الوزراء العبادي والتحقق من إحراز تقدم في الحرب على "داعش" متوقعة أن تظل الحكومة قائمة حتى أوائل 2017 على الأقل. ويضخ تحالف بقيادة الولايات المتحدة يحارب التنظيم المتشدد في العراق وسورية مليارات دولارات لقصف مقاتلي التنظيم وإعادة تدريب الجيش والشرطة العراقيين اللذين ألقيا السلاح وفرا أمام تقدم المسلحين قبل عامين. وقد يقوِّض انهيار اقتصادي تلك المكاسب العسكرية.
وبإقالة زيباري يصل عدد الحقائب الوزارية الشاغرة أو التي يحملها مسؤولون بشكل مؤقت إلى خمسة منها حقائب أمنية حساسة. وجمع النواب التوقيعات لبدء عملية إقالة اثنين آخرين على الأقل أحدهما وزير الخارجية. ويدير وكيل وزارة شؤون وزارة الداخلية منذ استقالة محمد الغبان في يوليو/ تموز الماضي إثر أعنف تفجير بسيارة ملغومة في بغداد منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين في 2003.
وأطاح البرلمان بوزير الدفاع خالد العبيدي وهو سني مسلم حليف لرئيس الوزراء الشيعي العبادي الشهر الماضي، وذلك في تهم فساد تتعلق بعقود أسلحة وهو ما نفاه العبيدي.
ويقول مسؤولون عراقيون وغربيون إن الفراغ لن يؤثر على الحملة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" التي يشرف على عملياتها وكلاء وقادة ميدانيون. وبعد إقالة العبيدي استعاد الجيش السيطرة على ضاحية الشرقاط في خطوة مهمة صوب استعادة الموصل.
وقال سامي العسكري السياسي الشيعي البارز إنه سيكون بوسع بغداد المحافظة على اتفاق صندوق النقد بدون زيباري كما نجحت في المضي قدمًا في حملتها العسكرية رغم الفراغ في الوزارات الأمنية.
وقال "الكل يقول إن إقالة هوشيار تهدد اتفاق صندوق النقد. لكنه لا يرتبط بهوشيار. نفس الشيء مع العبيدي.. عندما أقالوا الوزير لم يتغير شيء. لا يؤثر هذا في أي شيء."